فصل: تفسير الآية رقم (21):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان المشهور بـ «تفسير القرطبي»



.تفسير الآيات (19- 20):

{وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (19) وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ (20)}
قوله تعالى: {وَالْأَرْضَ مَدَدْناها} هذا من نعمه أيضا، ومما يدل على كمال قدرته. قال ابن عباس: بسطناها على وجه الماء، كما قال: {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها} أي بسطها. وقال: {وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ}. وهو يرد على من زعم أنها كالكرة. وقد تقدم. {وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ} جبالا ثابتة لئلا تتحرك بأهلها. {وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ} أي مقدر معلوم، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير. وإنما قال: {مَوْزُونٍ} لان الوزن يعرف به مقدار الشيء. قال الشاعر:
قد كنت قبل لقائكم ذا مرة ** عندي لكل مخاصم ميزانه

وقال قتادة: موزون يعني مقسوم.
وقال مجاهد: موزون معدود. ويقال: هذا كلام موزون، أي منظوم غير منتثر. فعلى هذا أي أنبتنا في الأرض ما يوزن من الجواهر والحيوانات والمعادن. وقد قال الله عز وجل في الحيوان: {وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً}. والمقصود من الإنبات الإنشاء والإيجاد.
وقيل: {أَنْبَتْنا فِيها} أي في الجبال {مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ} من الذهب والفضة والنحاس والرصاص والقزدير، حتى الزرنيخ والكحل، كل ذلك يوزن وزنا. روى معناه عن الحسن وابن زيد.
وقيل: أنبتنا في الأرض الثمار مما يكال ويوزن.
وقيل: ما يوزن فيه الأثمان لأنه أجل قدرا وأعم نفعا مما لا ثمن له. {وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ} يعني المطاعم والمشارب التي يعيشون بها، واحدها معيشة بسكون الياء. ومنه قول جرير:
تكلفني معيشة آل زيد ** ومن لي بالمرقق والصناب

والأصل معيشة على مفعلة بتحريك الياء. وقد تقدم في الأعراف.
وقيل: إنها الملابس، قاله الحسن.
وقيل: إنها التصرف في أسباب الرزق مدة الحياة. قال الماوردي: وهو الظاهر. {وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ} يريد الدواب والأنعام، قاله مجاهد. وعنده أيضا هم العبيد والأولاد الذين قال الله فيهم: {نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ} ولفظ {مَنْ} يجوز أن يتناول العبيد والدواب إذا اجتمعوا، لأنه إذا اجتمع من يعقل وما لا يعقل، غلب من يعقل. أي جعلنا لكم فيها معايش وعبيدا وإماء ودواب وأولادا نرزقهم ولا ترزقونهم. ف {مَنْ} على هذا التأويل في موضع نصب، قال معناه مجاهد وغيره.
وقيل: أراد به الوحش. قال سعيد: قرأ علينا منصور {وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ} قال: الوحش. ف {مَنْ} على هذا تكون لما لا يعقل، مثل {فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ} الآية. وهى في محل خفض عطفا على الكاف والميم في قوله: {لَكُمْ}. وفية قبح عند البصريين، فإنه لا يجوز عندهم عطف الظاهر على المضمر إلا بإعادة حرف الجر، مثل مررت به وبزيد. ولا يجوز مررت به وزيد إلا في الشعر. كما قال:
فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا ** فاذهب فما بك والأيام من عجب

وقد مضى هذا المعنى في البقرة وسورة النساء.

.تفسير الآية رقم (21):

{وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21)}
قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ} أي وإن من شيء من أرزاق الخلق ومنافعهم إلا عندنا خزائنه، يعني المطر المنزل من السماء، لان به نبات كل شي. قال الحسن: المطر خزائن كل شي.
وقيل: الخزائن المفاتيح، أي في السماء مفاتيح الأرزاق، قاله الكلبي. والمعنى واحد. {وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} أي ولكن لا ننزله إلا على حسب مشيئتنا وعلى حسب حاجة الخلق إليه، كما قال: {ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء}.
وروى عن ابن مسعود والحكم بن عتيبة وغيرهما إنه ليس عام أكثر مطرا من عام، ولكن الله يقسمه كيف شاء، فيمطر قوم ويحرم آخرون، وربما كان المطر. في البحار والقفار. والخزائن جمع الخزانة، وهو الموضع الذي يستر فيه الإنسان ماله والخزانة أيضا مصدر خزن يخزن. وما كان في خزانة الإنسان كان معدا له. فكذلك ما يقدر عليه الرب فكأنه معد عنده، قاله القشيري.
وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أنه قال: في العرش مثال كل شيء خلقه الله في البر والبحر. وهو تأويل قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ}. والانزال بمعنى الإنشاء والإيجاد، كقوله: {وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأنعام ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ} وقوله: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ}.
وقيل: الانزال بمعنى الإعطاء، وسماه إنزالا لان أحكام الله إنما تنزل من السماء.

.تفسير الآية رقم (22):

{وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ (22)}
فيه خمس مسائل:
الأولى: قوله تعالى: {وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ} قراءة العامة {الرِّياحَ} بالجمع. وقرأ حمزة بالتوحيد، لان معنى الريح الجمع أيضا وإن كان لفظها لفظ الواحد. كما يقال: جاءت الريح من كل جانب. كما يقال: أرض سباسب وثوب أخلاق. وكذلك تفعل العرب في كل شيء اتسع. وأما وجه قراءة العامة فلان الله تعالى نعتها ب {لَواقِحَ} وهى جمع. ومعنى {لَواقِحَ} حوامل، لأنها تحمل الماء والتراب والسحاب والخير والنفع. قال الأزهري: وجعل الريح لاقحا لأنها تحمل السحاب، أي تقله وتصرفه ثم تمريه فتستدره، أي تنزله، قال الله تعالى: {حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا} أي حملت. وناقة لاقح ونوق لواقح إذا حملت الأجنة في بطونها.
وقيل: لوافح بمعنى ملقحة وهو الأصل، ولكنها لا تلقح إلا وهى في نفسها لاقح، كأن الرياح لقحت بخير. قيل: ذوات لقح، وكل ذلك صحيح، أي منها ما يلقح الشجر، كقولهم: عيشة راضية، أي فيها رضا، وليل نائم، أي فيه نوم. ومنها ما تأتى بالسحاب. يقال: لقحت الناقة بالكسر لقحا ولقاحا بالفتح فهي لاقح. وألقحها الفحل أي ألقى إليها الماء فحملته، فالرياح كالفحل للسحاب. قال الجوهري: ورياح لواقح ولا يقال ملاقح، وهو من النوادر. وحكى المهدوي عن أبى عبيدة: لواقح بمعنى ملاقح، ذهب إلى أنه جمع ملقحة وملقح، ثم حذفت زوائده.
وقيل: هو جمع لاقحة ولاقح، على معنى ذات اللقاح على النسب. ويجوز أن يكون معنى لاقح حاملا. والعرب تقول للجنوب: لاقح وحامل، وللشمال حامل وعقيم.
وقال عبيد بن عمير: يرسل الله المبشرة فتقم الأرض قما، ثم يرسل المثيرة فتثير السحاب، ثم يرسل المؤلفة فتؤلفه، ثم يبعث اللواقح فتلقح الشجر.
وقيل: الريح الملاقح التي تحمل الندى فتمجه في السحاب، فإذا اجتمع فيه صار مطرا. عن أبى هريرة قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «الريح الجنوب من الجنة وهى الريح اللواقح التي ذكرها الله في كتابه وفيها منافع لِلنَّاسِ».
وروى عنه عليه السلام أنه قال: «ما هبت جنوب إلا أنبع الله بها عينا غدقة».
وقال أبو بكر بن عياش: لا تقطر قطرة من السحاب إلا بعد أن تعمل الرياح الأربع فيها، فالصبا تهيجه، والدبور تلقحه، والجنوب تدره، والشمال تفرقه.
الثانية: روى ابن وهب وابن القاسم وأشهب وابن عبد الحكم عن مالك- واللفظ لأشهب- قال مالك: قال الله تعالى: {وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ} فلقاح القمح عندي أن يحبب ويسنبل، ولا أدرى ما ييبس في أكمامه، ولكن يحبب حتى يكون لو يبس حينئذ لم يكن فسادا لا خير فيه. ولقاح الشجر كلها أن تثمر ثم يسقط منها ما يسقط ويثبت ما يثبت، وليس ذلك بأن تورد. قال ابن العربي: إنما عول مالك في هذا التفسير على تشبيه لقاح الشجر بلقاح الحمل، وأن الولد إذا عقد وخلق ونفخ فيه الروح كان بمنزلة تحبب الثمر وتسنبله، لأنه سمى باسم تشترك فيه كل حاملة وهو اللقاح، وعليه جاء الحديث: «نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن بيع الحب حتى يشتد». قال ابن عبد البر: الأبار عند أهل العلم في النخل التلقيح، وهو أن يؤخذ شيء من طلع ذكور النخل فيدخل بين ظهراني طلع الإناث.
ومعنى ذلك في سائر الثمار طلوع الثمرة من التين وغيره حتى تكون الثمرة مرئية منظورا إليها والمعتبر عند مالك وأصحابه فيما يذكر من الثمار التذكير، وفيما لا يذكر أن يثبت من نواره ما يثبت ويسقط ما يسقط. وحد ذلك في الزرع ظهوره من الأرض، قاله مالك. وقد روى عنه أن إباره أن يحبب. ولم يختلف العلماء أن الحائط إذا انشق طلع إناثه فأخر إباره وقد أبر غيره ممن حال مثل حاله، أن حكمه حكم ما أبر، لأنه قد جاء عليه وقت الأبار وثمرته ظاهرة بعد تغيبها في الحب. فإن أبر بعض الحائط كان ما لم يؤبر تبعا له. كما أن الحائط إذا بدا صلاحه كان سائر الحائط تبعا لذلك الصلاح في جواز بيعه.
الثالثة: روى الأئمة كلهم عن أبن عمر قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول: «من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر فثمرتها للذي باعها إلا أن يشترط المبتاع. ومن ابتاع عبدا فماله للذي باعه إلا أن يشترطه المبتاع». قال علماؤنا: إنما لم يدخل الثمر المؤبر مع الأصول في البيع إلا بالشرط، لأنه عين موجودة يحاط بها أمن سقوطها غالبا. بخلاف التي لم تؤبر، إذ ليس سقوطها مأمونا فلم يتحقق لها وجود، فلم يجز للبائع اشتراطها ولا استثناؤها، لأنها كالجنين. وهذا هو المشهور من مذهب مالك.
وقيل: يجوز استثناؤها، هو قول الشافعي.
الرابعة: لو اشترى النخل وبقي الثمر للبائع جاز لمشترى الأصل شراء الثمرة قبل طيبها على مشهور قول مالك، ويرى لها حكم التبعية وإن أفردت بالعقد. وعنه في رواية: لا يجوز. وبذلك قال الشافعي وأبو حنيفة والثوري واهل الظاهر وفقهاء الحديث. وهو الأظهر من أحاديث النهى عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها.
الخامسة: ومما يتعلق بهذا الباب النهى عن بيع الملاقح، والملاقح الفحول من الإبل، الواحد ملقح. والملاقح أيضا الإناث التي في بطونها أولادها، الواحدة ملقحة بفتح القاف والملاقيح ما في بطون النوق من الأجنة، الواحدة ملقوحة، من قولهم: لقحت، كالمحموم من حم، والمجنون من جن، وفى هذا جاء النهى. وقد جاء عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أنه نهى عن المجر وهو بيع ما في بطون الإناث. ونهى عن المضامين والملاقيح». قال أبو عبيد: المضامين ما في البطون، وهى الأجنة. والملاقيح ما في أصلاب الفحول. وهو قول سعيد بن المسيب وغيره. وقيل بالعكس: إن المضامين ما في ظهور الجمال، والملاقيح ما في بطون الإناث. وهو قول ابن حبيب وغيره. وأى الأمرين كان، فعلماء المسلمين مجمعون على أن ذلك لا يجوز. وذكر المزني عن ابن هشام شاهدا بأن الملاقيح ما في البطون لبعض الاعراب:
منيتي ملاقحا في الأبطن ** تنتج ما تلقح بعد أزمن

وذكر الجوهري على ذلك شاهدا قول الراجز:
إنا وجدنا طرد الهوامل ** خيرا من التنان والمسائل

وعدة العام وعام قابل ** ملقوحة في بطن ناب حامل

قوله تعالى: {فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ} أي من السحاب. وكل ما علاك فأظلك يسمى سماء.
وقيل: من جهة السماء. {ماءً} أي قطرا. {فَأَسْقَيْناكُمُوهُ} أي جعلنا ذلك المطر لسقياكم ولشرب مواشيكم وأرضكم.
وقيل: سقى وأسقى بمعنى. وقيل بالفرق، وقد تقدم. {وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ} أي ليست خزائنه عندكم، أي نحن الخازنون لهذا الماء ننزله إذا شئنا ونمسكه إذا شئنا. ومثله {وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً}، {وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ}.
وقال سفيان: لستم بمانعين المطر.

.تفسير الآية رقم (23):

{وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ (23)}
أي الأرض ومن عليها، ولا يبقى شيء سوانا. نظيره {إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ}. فملك كل شيء لله تعالى. ولكن ملك عباده أملاكا فإذا ماتوا انقطعت الدعاوى، فكان الله وارثا من هذا الوجه.
وقيل: الأحياء في هذه الآية إحياء النطفة في الأرحام. فأما البعث فقد ذكره بعد هذا في قوله: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ}.

.تفسير الآية رقم (24):

{وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (24)}
فيه ثلاث مسائل:
الأولى: قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ} فيه ثمان تأويلات: الأول- {الْمُسْتَقْدِمِينَ} في الخلق إلى اليوم، و{الْمُسْتَأْخِرِينَ} الذين لم يخلقوا بعد، قاله قتادة وعكرمة وغيرهما.
الثاني- {الْمُسْتَقْدِمِينَ} الأموات، و{الْمُسْتَأْخِرِينَ} الأحياء، قاله ابن عباس والضحاك.
الثالث- {الْمُسْتَقْدِمِينَ} من تقدم أمة محمد، و{الْمُسْتَأْخِرِينَ} أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قاله مجاهد.
الرابع- {الْمُسْتَقْدِمِينَ} في الطاعة والخير، و{الْمُسْتَأْخِرِينَ} في المعصية والشر، قاله الحسن وقتادة أيضا.
الخامس- {الْمُسْتَقْدِمِينَ} في صفوف الحرب، و{الْمُسْتَأْخِرِينَ} فيها، قاله سعيد بن المسيب.
السادس: {الْمُسْتَقْدِمِينَ} من قتل في الجهاد، و{الْمُسْتَأْخِرِينَ} من لم يقتل، قاله القرظي.
السابع:- {الْمُسْتَقْدِمِينَ} أول الخلق، و{الْمُسْتَأْخِرِينَ} آخر الخلق، قاله الشعبي.
الثامن- {الْمُسْتَقْدِمِينَ} في صفوف الصلاة، و{الْمُسْتَأْخِرِينَ} فيها بسبب النساء. وكل هذا معلوم لله تعالى، فإنه عالم بكل موجود ومعدوم، وعالم بمن خلق وما هو خالقه إلى يوم القيامة. إلا أن القول الثامن هو سبب نزول الآية، لما رواه النسائي والترمذي عن أبى الجوزاء عن ابن عباس قال: «كانت امرأة تصلى خلف رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حسناء من أحسن الناس، فكان بعض القوم يتقدم حتى يكون في الصف الأول لئلا يراها، ويتأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر، فإذا ركع نظر من تحت إبطه، فأنزل الله عز وجل: {وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ}».
وروى عن أبى الجوزاء ولم يذكر ابن عباس. وهو أصح.
الثانية: هذا يدل على فضل أول الوقت في الصلاة وعلى فضل الصف الأول، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهمو عليه لاستهموا». فإذا جاء الرجل عند الزوال فنزل في الصف الأول مجاور الامام، حاز ثلاث مراتب في الفضل: أول الوقت، والصف الأول، ومجاورة الامام. فإن جاء عند الزوال فنزل في الصف الآخر أو فيما نزل عن الصف الأول، فقد حاز فضل أول الوقت وفاته فضل الصف الأول والمجاورة. فإن جاء وقت الزوال ونزل في الصف الأول دون ما يلي الامام فقد حاز فضل أول الوقت وفضل الصف الأول، وفاته مجاورة الامام. فإن جاء بعد الزوال ونزل في الصف الأول فقد فاته فضيلة أول الوقت، وحاز فضيلة الصف الأول ومجاورة الامام. وهكذا. ومجاورة الامام لا تكون لكل أحد، وإنما هي كما قال صلى الله عليه: وسلم: «ليلني منكم أولو الأحلام والنهى» الحديث. فيما يلي الامام ينبغي أن يكون لمن كانت هذه صفته، فإن نزلها غيره أخر وتقدم وهو إلى الموضع، لأنه حقه بأمر صاحب الشرع، كالمحراب هو موضع الامام تقدم أو تأخر. قاله ابن العربي. قلت: وعليه يحمل قول عمر رضي الله عنه: تأخر يا فلان، تقدم يا فلان، ثم يتقدم فيكبر. وقد روى عن كعب أن الرجل من هذه الامة ليخر ساجدا فيغفر لمن خلفه. وكان كعب يتوخى الصف المؤخر من المسجد رجاء ذلك، ويذكر أنه وجده كذلك في التوراة. ذكره الترمذي الحكيم في نوادر الأصول. وسيأتي في سورة الصافات زيادة بيان لهذا الباب إن شاء الله تعالى.
الثالثة: وكما تدل هذه الآية على فضل الصف الأول في الصلاة، فكذلك تدل على فضل الصف الأول في القتال، فإن القيام في نحر العدو، وبيع العبد نفسه من الله تعالى لا يوازيه عمل، فالتقدم إليه أفضل، ولا خلاف فيه ولا خفاء به. ولم يكن أحد يتقدم الحرب بين يدي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لأنه كان أشجع الناس. قال البراء:: كنا والله إذا احمر البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به، يعني النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.